محمد أبو زهرة

1688

زهرة التفاسير

هذا هو القول الأول - والقول الثاني أن المشار إليهم في النص الكريم هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهي أكثر الأمم عددا ؛ لأن محمدا صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء تابعا ؛ إذ دينه لم يحرف ولم يبدل ، فقد حفظت أصوله في القرآن الكريم ، وهو نور الله تعالى الباقي إلى يوم القيامة ، كما قال تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 9 ) [ الحجر ] وإن الكثيرين على الأول ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم له شهادتان إحداهما شهادته للرسالات السابقة بالصدق والبيان ، وقد اطلع على هذه الشهادة المسلمون ببيان القرآن ، والثانية شهادته على أمته ، وقد جمع الشهادتين قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ( 143 ) [ البقرة ] وإن تلك منزلة عالية للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به إيمانا صادقا الذين يذعنون للحق دائما ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعظم أمر هذه الشهادة ، فقد روى أحمد في مسنده ، والبخاري في صحيحه ، والترمذي والنسائي في سننهما ، عن عبد الله بن مسعود أنه قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرأ على » ، قلت : يا رسول الله ، أقرأ عليك ، وعليك أنزل ؟ قال : « نعم أحب أن أسمع من غيرى » ، فقرأت سورة النساء ، حتى أتيت إلى هذه الآية : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ، فقال : « أمسك » ، وفي رواية : « حسبك الآن » ، فإذا عيناه تذرفان « 1 » . وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لفرط إيمانه بالله تعالى تخوف يوم الحساب والعقاب ، واستعظم تلك الشهادة التي وضعت في عنقه ، وهي أعظم أمانة ، فسالت عبرات عينيه صلى الله عليه وسلم « 2 » .

--> ( 1 ) متفق عليه ، وهذا اللفظ في صحيح البخاري : تفسير القرآن - فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ( 5482 ) ، فضائل القرآن - قول المقرئ للقارئ : حسبك ( 5050 ) ، ورواه مسلم : صلاة المسافرين - فضل استماع القرآن ( 800 ) . عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه . ( 2 ) وفي البحر المحيط ج 3 ، ص 642 : وبكاؤه - والله أعلم - هو إشفاق على أمته ورحمة لهم من هول ذلك اليوم . وقال الآلوسي ج 5 ، ص 33 : « فإذا كان هذا الشاهد تفيض عيناه لهول هذه المقالة وعظم تلك الحالة ، فما ذا لعمري يصنع المشهود عليه ؟ ! وكأنه بالقيامة وقد أناخت لديه . . » . وفي الدر المنثور ج 2 ، 540 : وأخرج ابن أبي حاتم والبغوي في معجمه والطبراني بسند حسن